0
0 0
ضمور العضلات الشوكي

مرض ضمور العضلات الشوكي هو مرض وراثي يتضاعف كلما تقدّم المُصاب بالسن ، ينطلق من الحبل الشوكي ثم إلى بقية عضلات الجسد ، وقد كان قدري!
في طفولتي كنت أعتقد أنه عرَض جانبي لصغر السنّ ، و أنني حين أكبر ستنتهي كل تلك العثرات المتكررة ، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث ، كان هذا أول اختبار لخيبة الأمل على عكس ماتوقعت !
كان المرض يتطور كلما كبرت .
في المرحلة الثانوية بدأت مهمة صعود الدرج تتحوّل لكابوس .
الجامعة كانت ثاني اختبار لخيبة الأمل ، هذه المرحلة هي أصعب مراحل حياتي
بدءاً بعدم ملاءمة كراسي القاعات المُنخفضة ، انتهاءاً بالمسافات الشاسعة التي يُتوقّع مني أن أقطعها ، صار البكاء هو روتيني اليومي إلى جانب مراجعة الدروس التي لم أنجح في حضور أغلبها ، كنت أقف على المسافة الزائدة من النافذة وأشعر بامتنان غريب للمهندس والعمال وأنا أستحضر لحظة بناءهم لمُتكئي طوبة بطوبة ، المُتكأ الذي كان يسندني لـ ٦ ساعات ، ٣ ساعات إن حالفني الحظ وكان اليوم الدراسي يتضمن محاضرة واحدة ، العودة للمنزل كانت حلقة أخرى من العذاب وسط اصرار العائلة على أن أتوقف كلما طلبت منهم المساعدة، ماذا تعني الشهادة الجامعية ؟ الأصحاء لم يحصلوا عليها ،
كنت أتساءل ألف مرة هل حلمت حلماً أكبر مني؟ ، هل يجب أن تنتهي مسيرة علاماتي المتميزة عند المرحلة الثانوية؟ أما كان مقدراً لي قطّ أن ألتحق بركب الجامعيين كما تخيلتني سأفعل! ، كما تخيلنا نحن الاثنان ، أنا وأخي الذي شاطرني ذات المرض والذي رافقني لساعات ونحن نتابع أسماء المقبولين في الجامعة،
ترقُد حولي الآن لوحات أخي، أخي الذي يكبرني بثلاث سنوات والذي كان أنقى من أن تليق به الحياة!
لم أكن أظن أن هذا السحر الذي يلقيه عليّ أخي سيستمر حتى بعد رحيله.
أُحاول فَهم نظرات التعاطف التي تُسدّد نحوي كلما قلت أنه توفي!
أنا لا أرى في تذكّري لأخي أمر محزن، الحزن وأخي لا يجتمعان!
حتى في تلك اللحظات التي كنت أنتظره فيها حين كان يرقد هو على سرير المستشفى ، كنت أتابع الحياة بالنيابة عن كليّنا، أحارب بالنيابة عن كلينا!
تقاسمت مع أخي ذات الموهبة؛استنطاق الألوان!
الألوان التي صارت عصيّة عليّ الآن.
تقاسمنا الكثير من الأشياء:اكتفاء أحدنا بالآخر ، الشغف بالرياضيات، وحتى ذات المرض!
المرض الذي قرر أن يفتك بجسده هو بدرجات مضاعفة فأقعده عن المشي وتركني أكافح الخُطى والعتبات الإسمنتية!
أخي الذي لم يحظى بترف الحصول على مقعد دراسي لأنه مُقعد! لم يتوقف عن حثّي دائمًا على مواصلة الطريق
في أيامه الأخيرة داومنا لساعات طويلة أمام شاشة الحاسوب نترقب مواعيد الترشيح للجامعة ، أخي هو من سجلني في الجامعة ، سلّمني لمرحلة جديدة وذهب!
أنا التي اكتفيت به عن العالمين كيف يُفترض أن أتابع هذه الحياة بمفردي؟!
كنت غاضبة من كل الأوقات التي كان المشفى يعتقد فيها أنه أحقّ بصحبته مني، كان ذلك قبل أن أعلم أن سلطة أعلى ستفتك بي،سلطة الموت الذي لا يضع مواعيد للزيارة!
كنت أتهاوى وأنا أشهد تطورات المرض في جسد أخي، المرض الذي أكل عضلاته حتى ضمُرت!
وبكل سخافة المحبين كنت أغضب لعدم مداومته على الدواء قبل أن أعرف بأن الضمور قد طال عضلات البلع في حلق أخي! حينها لازمني الخوف وأصبحت أحوم حوله أتفقد نبضه وأتحسس أنفاسه!
توفي أخي بعد ٢٢ سنة من الحروب المتواصلة مع المرض، مات في ريعان شبابه أو شباب المرض! تاركاً وراءه طير لا ينفكّ يحوم حول فجيعته.
توفى الله أخي قبل أن يراني أدخل الجامعة ، أعني أدخلها فقط !
حضور المحاضرات أمر آخر ، ترف لم أحصل عليه إلا بعد شهر ونصف من الذهاب والإياب على وحدة الاحتياجات الخاصة ليلتفتوا إليّ بتوفير كراسي بمواصفات خاصة في القاعات الدراسية ،
ويمهدوا لي تلك العتبة أمام المبنى ،العتية التي يمر عليها الجميع دون أن يلاحظوها وكانت أكبر مخاوفي!
*أبداً لم أختر هذه الإعاقة ، لا تختاروا لي التوقف*
وصلت الكراسي بعد عناء ، ولم تصل المعلومة للـكادر الأكاديمي فلم يتوقفن عن تبادل القاعات دون أن ينتبهن لي أو لمقعدي ، واستمر سيناريو التغيّب الإجباري عن المحاضرات ، واستمريت بالحضور أملاً في أن يحالفني الحظ ، وتجنباً للملام الواسع الذي سأتلقاه من المحيطين بي إن وصلتهم معلومة أن الجامعة لا ترحّب بي وأنا التي لم أُصغي لنصحيتهم ، أخيرًا بعد خمس سنوات من المكابدة والتحدي -فعلتُها-فأنا اليوم خريجة بكالوريوس في تخصص الإحصاء التطبيقي من قسم الرياضيات وأعمل جاهدة لمساعدة من هم مثلي من أصحاب الهِمم الذين يتوقون للنجاح والتقدم.

شكرًا

عهود الحربي
نشره منذ 7 أشهر
التعليقات
مَلْسَم .
نشره منذ 7 أشهر

شفاك الله وعافاك، الله يكتب لك ولأخيك الأجر العظيم، وينور حياتك ويأجرك على صبرك وعلى كل ألم❤️

أمراض العجز

أمراض تعيق قدراتك البدنية في الحركة الداخلية أو الخارجية .

إصابة الحبل الشوكي

عتلال في النخاع أو ضرر على المادة البيضاء أو الألياف العصبية النخاعية التي تنقل الحس والإشارات الحركية من وإلى الدماغ.

شارك