0
0 0
أنا والثنائي

في عام 2013 بدأت رحلتي مع مرض ثنائي القطب وهو مرض عقلي وراثي، يجعل صاحبه يتأرجح بين حالتين مختلفتين تماماً..
فإما الهوس وإما الاكتئاب..

عندما تزور المريض حالة الهوس يكون نشاطه زائد ومفرط، أما حين يزوره الاكتئاب فإنه يتحول إلى كتلة خاملة أبعد ما تكون عن الحياة..

هو من أنواع الجنون أو بذلك أقنعت نفسي حتى أتحرر من شعوري بالذنب لما أقترفه من أخطاء بين تناوب الحالتين..
ولأتحرر من شعوري بخوفي من الله تعالى وبأني محاسبة منه على حماقاتي، لأن القلم رُفع عن المجنون..

قالوا بأنه مرض المبدعين فأصبحت أقنع نفسي بذلك أيضاً، فبحثت عن مبدعي العالم الذين أصيبوا بثنائي القطب أو "بايبولار" بالإنجليزية، فوجدت منهم:
"أرنست همنجواي" الروائي الأمريكي الكبير الذي قرر بأن ينهي مأساته مع المرض بالانتحار..

مجرد التفكير في ذلك يثير رعباً في داخلي من أن تنتهي حياتي بنهايةٍ كنهايته..
ورغم ذلك حين عرفت بأنه مرض المبدعين فرحت!
ورحت أسمح لنفسي بأن أبدع في الكتابة التي كانت تناديني منذ الصغر، منذ أن كنت في حصص التعبير أحاول الإبداع في المواضيع المقررة علينا أيام الدراسة..

ورغم أن ثنائي القطب كان يمنعني حتى من حقي في ممارسة ما أحب..
إلا أني تشجعت واقتديت بالمبدعين.. وكتبت..
فصدرت قصتي القصيرة الأولى ( أحلى عجوز )..

والآن عزيزي القارئ نعود لبداية القصة..

كانت المحطة الأولى من رحلتي مع المرض تتراوح بين عامي 2013 و 2016 حيث كانت النوبات خلال هذه الثلاثة أعوام تأتي متباعدة لذلك لم نعرف كنه هذا المرض ولم يتم تشخيص حالتي إلا عندما دخلت المستشفى في عام 2016..

بدأت النوبات تزورني في عام 2013..
كانت نوبات مجنونة تأخذني إلى عوالم أخرى مخيفة..
وتسحبني بسرعة وبجنون من عالم افتراضي أعيشه في عقلي إلى عالم افتراضي آخر دون أن أتذكر شيء من أي عالم أعيش فيه..
وأصبحت الأفكار تمر في عقلي بتسارع عجيب ومتعب إلى حد الجنون..

مع ثنائي القطب تنسى الكلام..
تنسى الكلام المناسب الذي يجب أن تقوله في الوقت المناسب..
فتتعرض بذلك لاستهزاء البعض الذين يجهلون ما بك..

وترتسم الأشكال المخيفة أمام ناظريك دون أن تعرف لها سبباً أو تفسيراً..
وتهمس لك الأصوات الخافتة المخيفة تناديك دون أن تعرف من الذي يناديك..

هل هو عقلك؟

قلبك؟

أم الجنون الذي يسكنك؟

يضيع تركيزك في نوبة الهوس..

وتخمد قواك في نوبة الاكتئاب..

وكأن هذا المرض يمنعك من حقك في عيش حياة طبيعية، فإما أن تكون مجنوناً.. أو تكون ميتاً نفسياً..
نعم نفسياً تكون كالميت، لا تستطيع أن تعيش حياتك بشكل طبيعي، لأن المرض يأخذك بعيداً عن الحياة..
يكون هذا في نوبة الاكتئاب..

أما نوبات الهوس فهي عالم آخر من الجنون.. والوجه الثاني للمرض..

لطالما كرهت هذا المرض، وكرهت بأني مريضةٌ به..
لم أتقبله ولم أعش معه برضا وسلام في بدايته..

ولكني عشت معه مضطرةً على الرضا بوجوده معي.. بوجوده في عقلي المريض..

أتت النوبات بشكل متباعد، ومع كل نوبة كانت رحلتي تبدأ في عالم الشيوخ والمعالجين بالقرآن الكريم..
لا أخفيك عزيزي القارئ كانت رحلتي معهم بغيضة..
كان بعضهم يقول لا ندري ما علتها، والبعض الآخر يقول هي مسكونة بقرينها، وأحدهم قال بها مس والآخر قال بها سحر..

وعندما عادت النوبات مرة أخرى في عام 2016، وقتها أقنعني زوجي بأخذي إلى المستشفى، وهناك بدأت رحلة أخرى مع العقاقير والأدوية التي لا تعد ولا تحصى..

كرهت نفسي في المستشفى..
فقد كنت مغيَبة عن الوعي معظم الوقت ونائمة بسبب تأثير طن الأدوية الذي أخذته..

نعم أقول طناً من باب المبالغة لأنها كانت فعلاً كثيرة يصعب على المريض نفسه تذكرها بأوقاتها وجرعاتها ويصعب عليه الالتزام بها بنفسه..

واليوم بعد ثلاثة أعوام على بدء العلاج..
أصبحت أدويتي قليلة أستطيع تذكر أخذها بنفسي..
إلا أن الثنائي المشاكس ينسيني أخذها في بعض الأحيان عندما يداعب النسيان ذاكرتي جراء أعراض المرض..

ولا تزال رحلتي مع الثنائي مستمرة...

مي العنقري
نشره منذ 9 أشهر
التعليقات
لا يوجد تعليقات
الإضطراب النفسي

هو نمط سيكولوجي أو سلوكي ينتج عن الشعور بالضيق أو العجز الذي يصيب الفرد ولا يعد جزءًا من النمو الطبيعي للمهارات العقلية .

ثنائي القطب

حد الاضطرابات النفسية التي تتميز بتناوب فترات من الكآبة مع فترات من الابتهاج غير الطبيعي .

شارك