0
0 0
هذا الوقت سيمضي

قبل سنين طويلة، في أواخر العام 2006 للميلاد، خرجت من عيادة الطبيب النفسي وأنا أحمل تشخيصاً جديداً...
"اضطراب وجداني ثنائي القطب"
قد يبدو الاسم فخماً بعض الشيء، لكنه يعني الرعب لمن يعرفه جيداً.
لسنتين مضت قبل هذا التشخيص، قيل لي أني أعاني من نوبات اكتئابية حادة، وبالرغم من انتظامي على العلاج، إلا أن حالتي لم تستقر، بل أصبحت أسوأ من قبل، حتى ظهر هذا الداء.

تخيل أن تعيش حياتك بين طرفي نقيض..
أن تكون سعيداً.. في قمة البهجة والسرور، ثم تبدأ في الشعور بالقلق والتشتت الذهني والخوف من المجهول، وفجأة، إذا بك في قاع الحزن والكآبة.
ما بين صعود وهبوط، يتخلله فترات من الاستقرار لا تدري أثناءها إلى أين سيتجه بك هذا الداء حين يضرب ضربته القادمة.

حالما وصلت إلى منزلي ذلك، بدأت في البحث والاستكشاف لمعرفة تفاصيل هذا الاضطراب. في ذلك الزمان، لم يكن هناك الكثير من المعلومات المفيدة على شبكة الويب. نعم هناك تعريفات ووصف للأنواع والأعراض التشخيصية وقائمة طويلة من الأدوية النفسية التي (تساعد) على استقرار الحالة، إلا أني لم أجد من يخبرني كيف انتصر على هذا الداء وأقضي عليه بالضربة القاضية.

اكتشفت بعد سنين من المعاناة ومن التجربة والخطأ أن الحرب سجال، يوم لك ويوم عليك، وأني لن انتصر في يوم ما على هذا الاضطراب.
ليس هناك (ضربة قاضية) ولن تجد علاجاً سحرياً ينتهي بعده كل شيء وتعود إلى ممارسة حياتك الطبيعية.
بدلاً من ذلك، تعلمت أن أفضل ما يمكنني عمله هو تقبل هذا الوضع ومحاولة التعايش معه بكل الطرق والوسائل السلمية. أعلنت الهدنة وبدأت الحرب الباردة.

نمر في حياتنا بمشاكل كثيرة، وقد نعجز عن إيجاد حل لبعض من هذه المشاكل، إذ قد تكون الحلول غير مقدور عليها، أو قد تكون طريقة حلنا للمشكلة غير صحيحة. لذا قررت أن أرضخ لها الوضع وأتوائم معه كي يتحقق لي الاستقرار النفسي الذي ظللت أبحث عنه لسنين عديدة.

هنا، أذكر لك جملة من النصائح والممارسات التي أثبتت جدواها معي. قد لا تنفع كل من يعاني من هذا الاضطراب (خاصة أن له أنواع عديدة) إلا أنه قد يُستفاد من بعضها طالما أنها نفعتني وساعدتني على التعايش مع هذا الداء.

1. هذا الاضطراب مزمن. لا تظن أن تعاطيك العلاج الدوائي لسنة أو سنتين قد يشفيك منه. نعم قد تختفي الأعراض (بالأدوية أو بدونها) لكنها، يوماً ما، قد تعود (ربما بعد سنين طويلة). لذا عش حياتك حاملاً لشعار الكشافة الشهير "كن مستعداً".

2. عليك أن تدرك أن العلاجات الدوائية (تساعد) على التقليل من حدة النوبات ومدتها، إلا أنها لا تعالج الاضطراب في ذاته. هي فقط (تساعدك) على ممارسة حياة أكثر استقراراً، بالرغم مما قد تسببه من أعراض جانبية.

3. لا زالت أسباب الإصابة بهذا الاضطراب غير محددة. كل ما هناك مجرد اعتقادات ودراسات وأبحاث عن دور الوراثة والضغوط النفسية والبيئة في تحفيز ظهور الأعراض. البحث في هذه الأمور لن ينفعك كثيراً، بعد تشخيص الإصابة، لذا لا تستهلك وقتك وطاقتك في البحث عن إجابة (لماذا أصابني هذا الداء؟) وضع جُل تركيزك في البحث عن (كيف أتعايش مع هذا الداء؟).

4. من طرق التعايش التي جربتها ونجحت معي، وينصح بها الكثير من المتخصصين، هي الحفاظ على نمط حياة مستقر ومنتظم قدر الإمكان. تنظيم أوقات النوم والاستيقاظ، جدولة المهام واستخدام القوائم والمذكرات والتنبيهات، أداء الأعمال بقدر من الرتابة المقصودة والاستعداد للمفاجئات، كلها وسائل تساعدك على تحقيق الاستقرار المنشود.

5. النشاطات البدنية أيضاً لها دور كبير في التخفيف من وطأة النوبات. هذا لا يعني أن تشترك في نادي رياضي لتمارس الرياضة مرة واحدة في الأسبوع، بل اجعلها روتيناً في جدولك اليومي. من ذلك تخصيص نصف ساعة كل يوم للمشي في الهواء الطلق، أو عشر دقائق حال استيقاظك صباحاً تمارس فيها رياضة هوائية (أيروبيك). اجعل الدم يجري وينشر هرمونات النشاط والسعادة في كل خلايا جسدك منذ بداية اليوم، لتستمتع بيومك كله.

6. لا تهمل الروحانيات. ركعتان في منتصف الليل، قراءة بعض صفحات من القرآن الكريم، جلسات التأمل والاسترخاء وتمارين التنفس. ضع لها أوقاتاً محددة خلال ساعات يومك ونهارك.

7. مارس نشاطات رتيبة (لا تحتاج لتفكير) في أوقات فراغك. هذه النشاطات تفيدك من ناحيتين: تبدد تفكيرك فلا تنشغل بحالتك النفسية وتغرق في التفكير السلبي، وتستنفد طاقتك الزائدة فتكبح جماح نشاطك في نوبات الهوس. من تلك النشاطات: الرسم (لو مجرد شخبطات على صفحات بيضاء من الورق)، التلوين، الأعمال الفنية المختلفة، الزراعة المنزلية (ازرع طماطم أو بصل، ليس مهماً ما تزرعه)، الكتابة (أكتب أي شيء وعن كل شيء). من المهم جداً أن تكون هذه النشاطات تعتمد على استخدام يديك في القيام بها (لم أذكر القراءة مثلاً). استخدام اليدين يحتاج إلى مجهود وتركيز أكبر ويمنع عقلك من السرحان بعيداً.. وهذا هو المطلوب.

8. الإيمان بقضاء الله وقدره. لو نسيت كل ما ذكرته لك في الأعلى وتمسكت بهذا الأمر فقط، لوجدت أن حياتك ستصبح أفضل، وذلك على قدر إيمانك بقضاء الله. في نوبات الاكتئاب، قد تتساءل (لماذا أنا؟ لماذا ابتلاني الله بهذا الداء؟). يؤسفني أنك لن تجد إجابة لهذا السؤال في حياتك هذه! من ناحية أخرى، نحن ندرك أن "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ" وأن هذه الابتلاءات التي تصيبنها في حياتنا هي خير لنا، فهي إما أن ترفع درجاتنا في الجنة وإما أن تخفف عنا من ذنوبنا فتعتقنا من النار. فالواجب علينا أن نتجنب كل ما فيه اعتراض على قدر الله، وأن نقبل أقدار الله فينا بقلوب راضية مطمئنة يملئها قول الله سبحانه وتعالى "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" وقول رسوله الكريم "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه".

جعلنا الله وإياكم من أهل السعادة والسرور، ومتعنا بدوام الصحة والعافية في دنيانا وآخرتنا...

كتبه: أبو حازم (رضي الله عنه وعن والديه)

أبو حازم
نشره منذ 9 أشهر
التعليقات
لا يوجد تعليقات
الإضطراب النفسي

هو نمط سيكولوجي أو سلوكي ينتج عن الشعور بالضيق أو العجز الذي يصيب الفرد ولا يعد جزءًا من النمو الطبيعي للمهارات العقلية .

ثنائي القطب

حد الاضطرابات النفسية التي تتميز بتناوب فترات من الكآبة مع فترات من الابتهاج غير الطبيعي .

شارك